حيدر حب الله
126
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
خامسا : إن الاحتمالات الثلاثة التي أبرزتها المحاولة والاحتمالين الأخيرين لترجيح تأويل كلام المرتضى من الواضح أنها استقرائية لا عقلية ، وبالإمكان العثور على احتمال رابع وما يزيد وربما مجموعة احتمالات منضمّة ، وهذه الاحتمالات هي : الأول : ما توحي به عبارة الطوسي - كما سيأتي الحديث عنها - من أن المخالفين معلومو النسب ، فلا يضرّون بالإجماع « 1 » ، إذ يحتمل أن الشيخ الطوسي مارس تحليلا حدسيا لحقبة عصر الحضور فخرج بنتيجة تقضي بأنهم كانوا يعملون بأخبار الآحاد ، ثم لمّا شاهد القرنين الأخيرين وما كانت عليه الشيعة من رفض أخبار الآحاد ، حاول تخطّي هذه الظاهرة بفكرة معلوم النسب ، ثم نسب الإجماع للطائفة ، وهو إجماع - بقرينة موضوع معلومية النسب - ليس تتبّعيا اتفاقيا ، بل دخولي كما هو واضح . وهذا الاحتمال وارد أيضا . الثاني : أن يكون الطوسي لاحظ شيوع الأخبار في أوساط الشيعة ، وشيوع علوم الرجال والحديث ، ولما تطوّر فكره مع المبسوط وبعده ، وكثرت التفريعات عنده ، شعر بعقله النقّاد أن بلوغ طريق اليقين فيها جميعا أمر عسير ، وهذا معناه أنه قاس - اجتهادا - حاله على حال علماء الطائفة أو العكس ، فتصوّر أن موقفهم هو موقفه لو كانوا مكانه فنسب إليهم القول بالحجية ، ظانا أن قولهم بعدم الحجية إنما هو في فقههم المختصر كما يصرّح حول اختصاره في مقدّمة المبسوط ، وأما لو دخلوا معه فقه المطوّلات لأخذوا - أكيدا - بأخبار الآحاد . ولا يجدر بنا استغراب مثل هذه الاحتمالات سريعا وإن لم نؤكّدها جزما ، لكن أدنى مراجعة لمبحث الإجماع المنقول للشيخ الأنصاري في فرائده « 2 » لا يدع مجالا لاستغراب هذه الاحتمالات بعد أن نصّ على مدى دخالة الحدس في كثير من إجماعاتهم ، ومن هنا شكّك في قيمة الإجماع المنقول كما فعل غيره الكثير بعده ، ونحن نعرف كم هو عدد الإجماعات المتضاربة حول رأي الطائفة مما نقله المتقدّمون فضلا عن المتأخرين ، بل لقد ألّف الشهيد الثاني رسالة أوضح فيها تضارب الطوسي نفسه في ستة وثلاثين إجماعا خالفها وادعاها
--> ( 1 ) - يعني الإجماع الدخولي - وهو نظرية قديمة في الإجماع هجرت اليوم - أن تكون حجية الإجماع قائمة على أساس العلم بكون المعصوم أحد المجمعين ، فيعلم بأن رأيه رأيهم ، وبناء عليه ، فإذا علمنا بمخالفة شخص لإجماع المجمعين ، نظرنا فإن كان معلوم النسب ، أي شخص معروفا بالاسم و . . . لا يضرّ خلافه بالإجماع ؛ لأنه يعلم حينئذ أن المخالف ليس هو المعصوم ، وإذا لم يعلم اسم المخالف وعلمت المخالفة انتقض الإجماع ، لاحتمال كون هذا المخالف هو المعصوم ، فلا يحصل علم بدخوله في المجمعين . ( 2 ) - الأنصاري ، فرائد الأصول 1 : 77 - 104 .